في منى، في الصباح، ستحرص على أن تكون الأول. و لأنك تعرف من قبلها أن التواجد داخل المسجد يعني الوصول قبل صلاة الصبح بساعتين، فستذهب قبلها بأربعة. لن تنام هذه الليلة. هو اليوم الذي تريد أن تخبره فيه بأنك قطعت الأرض طولا و عرضا، قطعت الأرض بجبالها و محيطاتها و أنهارها و وديانها و زينتها و زخرفها إلى تلك البقعة.


في هذا اليوم، لا يكفي أن تصلي خمسا في جماعة، ولا خمسا في المسجد، و لا خمسا في الصف الأول، و لا خمسا في مكة، و لا خمسا في الحج. لست وحدك، كلهم مثلك يتسابقون على نظرة رحمة. ستفعل كل ما في وسعك لتكون في الصف الأول، في منى قبل الرحيل لعرفة مع الشمس.


ستجتهد في ان تنهي الختمة التي بدأتها مع حجك في هذا اليوم، أن تريدها ان تكون بالضبط قبل المغرب بساعة على الأكثر. تريدها ألا تلهيك عن الذكر. الوقت جد ضيق، و أنت تريد أن تكون في الصف الأول؟ أن تريه منك خيرا... في أي يوم إن لم يكن ذلك؟ في أي عمر إن لم يكن ذلك في صحتك؟ في شبابك؟

ستجتهد، حتى تمتنع عن الطعام، تعرف أن الطريق شاق و طويل، و أن كثرة الطعام أو الشراب ستأتيك بالحاجة للخلاء، ولا وقت للخلاء.لا وقت للبحث عنه، هو لا يريد أن يلهيه شيئاعن ربه اليوم. لا يريد أن يكون من الغافلين في طابور استقبال الطعام، او في حلقات اكابر الحج، أو في حلقات الثرثرة المنثورة في عرفة... فما بالك بطابور قضاء الحاجة! يومها لا يلهيه شيئا عن التعلق ببصره للسماء... ينظر و الوجل يأكل جسده، يرفع عينيه للسماء من آن لآخر طمعا، و رغبا و رهبا... ثم لا يلبث أن يضعهما في التراب و يرفع يديه و يحني رأسه أكثر في مذلة المذنب التائب.

ستجف عيونه، و سيشعر بكل من حوله و لا يعيرهم انتباهه. لقد تعلم التسبيح على الحصا، لقد واعد نفسه ألفا من كل مايحفظ من أذكار و تسابيح، و سينهي ختمته في الموعد المطلوب.
سيأتي الطعام، و سيخشاه، لقد قارب الوقت على العصر، و القوم كل في ملهاته. و آخرون قد حجزوا اماكنهم على عرفات، و آخرون حبستهم اسوار البعثة التي هم فيها. كل حجز موقعه و تعلق بالسماء... أي وقت لطعام؟

جسده النحيل قد آلمه البرد، و قلة الطعام، و الشراب.ولكنه مع ذلك لم يكن يرى غير هذه الشمس وهي تذهب بنورها بعيدة. كان قلبه معلقا بها، كان قد انفق أول مال استطاعته للحج، كان قد حمل على اكتافه ذنوبا لا يحملها بشر. و شرعت الشمس في الهروب... و اقتربت اللحظة التي يدرك فيها يقين المغفرة. و لا يعرف أهو من الرابحين فينجو؟ أم هو من الخاسرين الضالة خطواتهم؟

لا أحد يعرف، لا أحد يجيبه، السماء لا تجيب. القلب المرتعد لا يجيب، البرودة على جسده لا تجيب. شيخه الذي يعرفه لا يجيب. لا أحد معه. العين لا تجيب... لا تتحرك. أنفاسه لا تجيب... إلا بترددها، ووخز في القلب لا يبرحه. أقبلتها يا رب؟ أقبلتها يا حبيبي؟ و الله اجتهدت يا رب، و الله اتيتك من آخر الأرض، و الله ودعت الدنيا إليك، و الله لا إريد إلا رضاك و كفى... اتنظرني بكرمك؟ و الله احفظ سري فقط لأني أحبك... يا رب انظرني اعمل صالحا ترضاه... يا رب... إلى من تكلني.... إلى من تكلني بعدك... أتيتك وحدك لا أبغي شيئا إلا رضاك... يا رب اتيتك اغبرا عاريا ولو عرفت ارضا تحبها في اقصى الأرض لأتيتها يا رب... يا رب... اغفرت... اقبلت يا رب؟ ارضيت يا رب؟ مولاي... خالقي... ورازقي... إلهي ... اقبلني معهم. اعرف اني اسوأهم خلقا...ولكن رحمتك بي اوسع يارب... يا رب.

و ستنفجر عيونه، ستنفجر كما لم تنفجر من قبل، و سيهتز كل جسده و هي يبحث عن دعاء ختم القرآن الذي لم يجهزه. سيختم قرآنه بلا دعاء ختم. سيظن أنه من سوء الطالع، أو عدم القبول، و سيرج كيانه فكرة أنه منع القبول بذنب نسيه... او يذكره. أي تعاسة هو فيها! سيجلس يسبح و يدعو و يهتز خوفا و طمعا لتلك اللذة التي يعرفها... سيطلبها من سجنه، سيطلبها بكل ما حفظ و ما لم يحفظ. و ستختفي الشمس. و يجلس وحده متعلقا بالسماء. تماما كما يوع الحبيب حبيبه... لا يبرح مكانه ابدا. شيء ما سرق. رسالة ما لم تكتمل. و سيشرع جسده في الانهيار.

سيصلي الجماعة، و ينتظر حافلته للمزلدفة، سيرحل مع آخر فوج، و سيبيت في مزدلفة ساعتين على قارعة الطريق، على التراب، في العراء، و سيجمع حصاه، و سيستيقظ ثانية للفجر، ويرحل للجمرات، ومنها للنحر فالتحلل، لمكة سيرا و ستتشقق قدماه، جدا. لن يحويهما نعل بعد ذلك. و سيذهب و يجيئ سيرا، و شبابه لا يسعفه قلة النوم و الطعام مع طلب الطاعة على أكملها. سيذهب ليتعلم معنى واحد لم يكن ليفهم وحده:
التسليم.... منه سمي الإسلام.

سيذهب, و سيعود رجلا آخر.