التكشف في العمليات الجراحية وامام الاطباء

الأستاذ الدكتور محمد باخطمه

استشاري الجراحة العامة

مستشفى جامعة الملك عبدالعزيز بجدة


في عيادتي قبل عدة سنوات واثناء انتظاري لحضور المريض التالي، زرت زميل لي في العيادة الملاصقة ورأيته يحاول جاهدا ان يقنع سيدة لتكشف غطاء وجهها كي يكمل معاينتها قبل تقرير عملية جراحية لها، لا اذكر ما هي العملية ولكنها كانت احد العمليات الصغيرة التي تحتاج لتخدير عام.... المهم اقتنعت السيدة الفاضلة وكشفت وجهها... وقرر لها الطبيب العملية، يشاء الله ان التقي الزميل في غرفة العمليات بعد عدة ايام ويشاء الله ان تكون تلك المريضة التي ابت ان تكشف وجهها في العيادة هي نفسها التي سيجري لها العملية، واثناء تجاذبنا لاطراف الحديث ريثما يتم تخدير المريضة واثناء قيام طاقم التمريض بتجهيز المريضة (كما هو المعتاد) ،اصبت بذهول لم يعرف زميلي سببه فلقد رأيت كيف يتم كشف تلك السيدة اثناء تجهيزها في غرفة العمليات وهي التي كانت تأبى وهي في كامل وعيها مجرد حتى كشف وجهها للطبيب ... قلت في نفسي من المؤكد ان هذه السيدة ما كانت لتقبل باي حال من الاحوال ما يحصل لها في غرفة العمليات امام الممرضات ومساعدي التخدير وبل عاملات وعمال النظافة، وهنا برز الى وعيي سؤال هي يمكن القبول منطقيا فعل امر ما لشخص أثناء فقده لوعيه لايقبله نفس الشخص لو كان في كامل وعيه، هل كشف هذه السيدة امام جمهور من الناس امر مقبول لها لو كانت في كامل وعيها .... الجواب لا بالتأكيد ... واما القضية الاهم والتي تطرقت الى فكري كانت هي هل يجوز شرعا وأثناء التخديركشف العورة التي امر الشرع بسترها عندما يكون الانسان واعيا ؟ ... وللاجابة لابد من ان تقرر عدة امور اسردها بإختصار دون التطرق للأمور التي ليس لها علاقه بتواجد المريض في المستشفى للعلاج.

اولا : ان الاصل هو الستر وان ما تقبله الفطرة الانسانية السليمة هو الستر ... قال تعالى (يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سواءاتكم وريشا و لباس التقوى ذالك خير ذالك من آيات الله لعلهم يذكرون ) سورة الأعراف آية 24.

ثانيا : ان الشريعة السمحة قد اقرت ان ليس كل جسم الانسان يمكن ان ينظر اليه غيره بمعنى ان هناك مناطق في الجسم لايطلع عليها الا الشخص نفسه ومن هذا المنطلق فان الشريعة أقرت انه لايجوز لشخص ان يكشف عن مناطق معينة من جسمه امام الاخرين ولايجوز للاخرين النظر اليها وهي العورة ... فعورة الرجل من سرته الى ركبته ... وعورة المرأة من سرتها الى ركبتها امام النساء أما امام الرجال فكلها عورة ما عدا وجهها وكفيها ... وهناك من يعتبر الوجه عورة والجميع يجمع ان الوجه عورة إن تم تزيينه، وكذلك اليدين.

ثالثا: ان مسألة العورة ليست حق شخصي بل هي تشريع سماوي وحكم شرعي لايملك الفرد حق تطبيقه ام لا ولو كانت العورة حق شخصي يملك الفرد حق تطبيقه لكانت مجلات العري وكل مقدمات الزنى حلالا وهو امر معلوم بطلانه عقلا ونقلا، ثم ان ستر العورة اتت به ادلة شرعية تدخل في صميم قوله تعالى (....وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا،وأتقوا الله إن الله شديد العقاب) سورة الحشر آية 7

وقد قال – صلى الله عليه وسلم –

1. (لاينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة) حديث صحيح رواه مسلم عن أبي هريرة.

2. (لاينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد ولا المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد) حديث صحيح رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري.



رابعا : انه لا فرق بين عورة المسلم حيا و ميتا فقد احترمت الشريعة جسد المسلم وهو حي تماما كما احترمته وهو ميت، ولهذا لم يجيز للرجال تغسيل النساء ولا العكس ومن آداب غسل الميت ستر عورته. قال صلى الله عليه وسلم (لاتبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي أو ميت).رواة أبو داوود عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه

فاذا كانت الشريعة وضعت احكاما للستر ولم تعطي الافراد حق مخالفتها بل وحفظتها للمسلم حتى وهو ميت(فمن باب أولى إن كان حيا وتحت الغياب المؤقت عن الوعي) فانه يصبح معلوما لدينا ان المحافظة على جسم المريض وهو تحت التخدير في غرفة العمليات امر لازم شرعا ولا يملك حتى المريض نفسه حق مخالفته لأن للمريض المخدر أو ألفاقد لوعيه أهلية وجوب(حقوق واجبة له) كاملة تماما كأنة في كامل وعية، وتنتفي عنه أهلية ألأداء (المسؤلية) مؤقتا حتى يرجع لكامل وعية،وتنتقل المسؤلية في قضية وجوب سترالعورة من المريض إلى من يراعونه أثناء فقدانه للمقدرة على تحمل المسؤلية، ولذالك وجب على كل العاملين المتعلق عملهم بالتعامل مع المريض اثناء تواجده في غرفة العمليات التعامل مع الامر من منطلق انهم مسؤلين وأن الاصل هو الستر وان كشف اي جزء من جسم المريض لا يسمح به إلا بضابطين لا ثالث لهما:- الاول هو وجود ضرورة لكشفه او ما تستدعي الضرورة كشفه،و الثاني هو ان الكشف يكون امام من تستدعي الضرورة تواجده.

فتعقيم مكان العملية ضرورة لانه بدون التعقيم سيتلوث الجرح مما قد يتلف نفس المريض، و كما هو معلوم فان حفظ النفس في الشريعة مقدم على حفظ العرض، فضرورات الشريعة الخمسة هي المحافظة على الدين ثم النفس ثم العرض ثم العقل ثم المال. ومن المقرر شرعا ان ما لايتم الواجب به فهو واجب فالتعقيم واجب لحفظ ضرورة حفظ النفس التي قد تتلف ان اصاب مكان جرح العملية عدوى والتهاب، وعدم كشف مكان العملية واجب لحفظ ستر ذلك الجزء من الجسد ولكنه سيمنع حدوث العملية، وهكذا نجد انفسنا اما خيارين هما الحفاظ على الستر لجلب مصلحة الحفاظ على العورة او كشف الستر للتعقيم واجراء العملية لدرء مفسدة المرض او تلوث مكان جرح العملية، وحيث ان درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة في فقه الشريعة ،اذا اصبح من الجائز كشف مكان العملية للتعقيم اما كشف غير مكان العملية فلا يجوز لانه لا توجد من ذالك مفسدة يمكن درؤها ولا مصلحة يمكن تحصيلها فيبقى الحكم على الاصل وهو عدم جواز كشف المستور من البدن .

اما فيما يخص الضابط الثاني وهو تواجد من تستدعي الضرورة وجودهم ،ففي فقه الشريعة قاعد ـصولية هامة تنص على أن تقدر الضرورة بقدرها ، فمثلا شرب الخمر حرام ولكن ان كان الانسان سيموت من العطش ولايوجد امامه الا خمر ليشربها فانه يجوز له الشرب من الخمر بقدر ما يسد عطشه ويمنع هلاكه فقط، وكذلك ان كاد يهلك من الجوع وليس امامه الا لحم خنزير فله ان ياكل بما يحفظ له حياته وليس حتى الشبع مثلا، فكذلك ان جاز كشف العورة في غرفة العمليات فيجب الا يطلع عليها الا من تقتضي الضرورة تواجدهم في الغرفة التي ستنكشف فيها العورة.

ما سبق في الفقرات اولا حتى رابعا كان بمثابة المادة العلمية لموضوع كشف العورة في غرفة العمليات الجراحية، فما هي التطبيقات العملية لما سبق؟؟

من المهم ان نشير الى قضية مهمة في هذا المجال وهو ان الوعي باهمية قضية حفظ العورات في غرفة العمليات اكثر من ذي قبل بكثير والوضع الان في المستشفيات عموما وفي المجتمع الطبي خاصة اصبح أفضل من ذي قبل بكثير، فقبل عدة سنوات كان الامر لايناقش اصلا واليوم اصبحت القضية محل نقاش في بعض المستشفيات بينما هي أمر مسلم به في مستشفيات كثيرة اخرى والحمد لله على ذلك ، ومن الايجابيات المهمة التي نذكرها هي حرص بعض المستشفيات على ابتكار وتصنيع زي خاص ساتر للعورة اثناء نقل المريض او المريضة الى غرفة العمليات، وكلنا ما زلنا في حاجة الى المزيد من الجهود المنظمة ومازلنا بحاجة الى نشر المزيد من الوعي بهذه القضية في المجتمع الطبي الممارس وفي المجتمع الاداري الذي يصدر الانظمة واللوائح وفي مجتمع المرضى وذويهم .

نشر الوعي في المجتمع الطبي يكون بتقرير قضية ان الحرص على ستر عورة المرضى في غرفة العمليات ليس بسبب عدم الثقة في اخلاقيات الاطباء الجراحين او المخدرين او طاقم التمريض بل لان القضية حكم شرعي يجب تطبيقه وحق محفوظ للمريض يجب صيانته اثناء غيابه عن وعيه.

ونشر الوعي التنظيمي في الادارات المعنية امر يتجاوز في اهميته نشر الوعي بين الاطباء لانه بدون وجود تنظيمات تؤكد على وجوب ستر العورة وخصوصا امام من لا داعي لتواجدهم في غرفة العمليات امر لا يمكن منعه والتحكم فيه الا بسلطة قرار اداري يتم مراقبته بحرص ويؤكد على:-

1. أن إختيار العاملين والفنيين في غرفة العمليات لابد وأن يكون من ذوي الاخلاق العالية والنفوس النظيفة ... لايمكننا ان نسمح لاي عامل نظافة ان يدخل الى غرفة العمليات ولايكفي مجرد تأهيله للعمل داخل غرفة العمليات من الناحية الطبية فقط بل لابد من التأكد من صلاحيته الاخلاقية والدينية.

2. عدم السماح لغير المسلمين من عمال النظافة بالتواجد في غرفة العمليات، لان كشف عورة المرء المسلم امام غير المسلم اكثر غلظة من كشفها امام المسلم إذ أن مظنة التحدث عن العورة من غير المسلم اكثر منها عند المسلم.

3. يمكن تنظيم طريقة نقل المرضى من غرفهم الى غرف العمليات والعكس.

4. اجبار غير الملتزمين من الأطباء(يحدث احيانا و ليس كثيرا) انفسهم بقضية وجوب سترالعورة

نشر الوعي بين المرضى امر مهم اذ على المريض:-

1. ان يطلب من طبيبه مراقبة تقوى الله اثناء تواجده تحت التخدير ويطلب الا يكشف من جسدة الا ما تستدعي الحاجة له، ولكن لابد من الاعتدال في هذا الامر اذ اننا نلاحظ تشدد بعض الازواج مثلا في قضية الكشف على زوجته وقد يرفض مثلا الموافقة على اجراء عملية ، وهو امر يحدث اثناء الحاجة لاجراء جراحة للزوجة وتربط الزوجة موافقتها بموافقة الزوج ثم يرفض الزوج بحجة كشف عورتها او وجهها وهو امر لابد من مراعاة تقوى الله فيه.

2. التقليل بل منع اجراء العمليات الغير واجبة والتي يمكن الاستغناء عنها مثل العمليات التجميلية التحسينية والتي تختلف عن العلميات التجميلية العلاجية ، فمثلا نستطيع ان نفهم اجراء عملية تجميلية في فخذ سيدة مصابة بحرق ونبرر لها كشف العورة، ولكن كيف نبرر لسيدة تكشف عورتها مثلا فقط لتصغير اردافها لتصبح اكثر جاذبية مثلا ... قد نفهم ان تريد سيدة تصغير حجم ثدييها لانه يسبب ثقل على عضلات الرقبة مثلا ولكن كيف نبرر لمن تريد تكبير ثدييها ليزداد بروزهما .... وفسر على ذلك فنشر الوعي بين المرضى في مثل هذه القضايا يؤدي الى التقليل من سبب المشكلة اصلا وهو كشف العورة.

3. أن يمتنع ألأزواج من الطلب من زوجاتهم إ جراء عمليات تجميلية فقط من أجل تحسين أو تغيير المظهر فقط إرضاء لأذواق متذبذبة ومهما كانت العمليات آمنة وبلا خطورة ، بل عليه أن يمنعها من ذالك حتى إن أرادت هي ذالك، فكما قدمنا فإن حفظ الدين مقدم على ماسواة.

خاتمة

يجب شرعا المحافظة على عورات المرضى في غرف العمليات وهم تحت التخدير، نحن اليوم في وضع افضل من ذي قبل بكثير من ناحية الحرص على عدم كشف عورات المرضى في غرف العمليات ولكننا ما زلنا بحاجة لمزيد من الوعي لدى المرضى والمزيد من الاهتمام من الأطباء والكثير من التنظيم من الاداريين.

                                            والله اعلم