نماذج من الأدب النبوي

في ظل طغيان الماديات علي النفس الإنسانية وتفلت الأخلاق وافتقار الآداب السامية الرفيعة‏,‏ جدير بنا ونحن نحتفل بذكري مولد النبي صلي الله عليه وسلم أن نستلهم شيئا من الآداب النبوية.‏

نهذب بها نفوسنا ونستعين بها علي إصلاح ما أصاب سلوكياتنا من انحراف وشطط, وقلوبنا من جمود وموات ولأن الأدب النبوي أكثر من أن يحصي, فإننا نقتصر علي نماذج ثلاثة يسردها لنا الدكتور محمد عبد الفضيل القوصي عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.

أدب الطعام: ما عاب النبي صلي الله عليه وسلم طعاما قط, إن اشتهاه أكله, وإن كرهه تركه..وقد كان حياء النبي يجعله لا يعيب مباحا من الطعام, ولا يذم من أصنافه موجودا, ولا يتكلف مفقودا, كما كان هذا الحياء الرفيع يحمله علي أن يبيت الليالي طاويا, وأن تمر علي بيوته الأهلة دون أن يوقد فيها نار, ومع ذلك فإنه كان يدعو أن يكون قوت آل محمد كفافا, أي ما يكفيهم دون إسراف.

بل إن هذا الحياء النيوي كان يتمثل في أدق التفاصيل التي تتعلق بتناول الطعام, فقد كان يتناول الطعام بأصابعه الثلاث, لا بأصبعين مثلما يفعل المتكبر المتأفف, ولا بجميع يده مثلما يصنع الشره الأكول.

كما كان صلي الله عليه وسلم لا يأكل متكئا, فالاتكاء حال الأكل ينبئ عن الازدراء والاستخفاف والاستهانة بعطاء الله ومنته.

بيد أن الحياء النبوي الرفيع يتجسد أكثر ما يتجسد في التوجيه الشامل للأمة بأن تقنع من المأكول بما هو متاح دون تهافت ولا شره ولا نهم, فلهذه الأمة مهمتها الكونية العظمي في قيادة قافلة الإيمان وعليها مسئوليتها الكبري في ريادة البشرية صوب الهدي والحق والنور وما ينبغي لأمة تحمل علي عاتقها هذه المهام الجسام أن تنحدر اهتماماتها فتنحصر في لذائذ الأنعام, بل عليها أن تستشرف إلي الآفاق العليا من القيم, وأن تتطلع إلي معالي العزائم والهمم.

أدب الاستقبال: كيف يصافح الرسول الكريم من يصافحه, وكيف يقبل عليه, وكيف يجلس إليه؟ صفات ثلاث كانت تميز استقبال النبي صلي الله عليه وسلم لجلسائه. لقد كان صلي الله عليه وسلم إذا صافح الرجل أوصافحه الرجل لا ينزع يده حتي يكون الرجل هو الذي يسبق فينزع يده.

ورغم كثرة المصافحين للنبي وشدة رغبتهم في المصافحة وتكرار المصافحة تيمنا وتبركا وحبا للنبي إلا أنه صلي الله عليه وسلم لم يكن يسارع إلي أن يقبض يده عمن يصافحه, حتي لا يخدش شعوره, وحتي لا ينقطع حبل المودة الحميمة التي كانت تؤلف حوله القلوب وتوحد وراءه النفوس.

وكان رسول الله إذا استقبل الرجل استقبله بوجهه لا يصرفه عنه حتي يكون الرجل هو الذي ينصرف عنه, فلم يكن الرسول الكريم إذن يتشاغل عمن يتحدث إليه أو يحدثه دون أن يعيره الاهتمام كله, أو ينصرف عنه إلي من سواه.. ولقد كان هذا دأبه وأدبه صلي الله عليه وسلم مع كل أحد حتي ليظن كل أحد أنه خير القوم.

وإذا كان يجلس إلي أحد كان لا يري مقدما ركبتيه بين يدي جليس له, فحاشاه أن يجلس جلسة المتكبر الذي يتمطي ويقدم رجليه بين من يحدثه, اعتدادا بالنفس, وتضخيما من قدر الذات, واستخفافا بالآخرين, واستصغارا لأقدارهم..حاشاه أن يصطنع المهابة أو يفتعل الجلال.. لذا فقد كان ينهي أصحابه عن أن يظلوا ماثلين وقوفا بين يديه حين يكون جالسا.

أدب التبسم: حين ينطوي باطن امرئ علي قدر من الرحمة فإن أثر تلك الرحمة يبدو ظاهرا في طلعته ـ بشاشة في الوجه, وطلاقة في المحيا وابتسامة في الثغرـ كما يبدو أثر تلك الرحمة في تعامله مع الخلق حنوا وحدبا عليهم ومواساة لهم وتعاطفا معهم..فما ظنك إذن بمن ذاته وصفاته, وشرعه وشفاعته: رحمة فوق رحمة؟!..

ما ظنك بمن خاطبه ربه قائلا وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين هل يكون أحد أكثر منه تبسما, أو أعظم حنوا, أو أرق فؤادا, أو ألين قلبا؟ فيقول أحد الصحابة ما رأيت احدا أكثر تبسما من رسول الله صلي الله عليه وسلم, وآخر يقول: ما رآني رسول الله صلي الله عليه وسلم منذ أسلمت إلا تبسم في وجهي.
ولئن كان الغالب علي أحواله صلي الله عليه وسلم التبسم, إلا أنه كان يضحك أحيانا حتي تبدو نواجذه, وكلاهما ـ تبسمه وضحكه ــ فيض من معين رحمته بالناس ورأفته بهم.

وها هي السيدة عائشة رضي الله عنها تقول: ما رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم ضاحكا مستجمعا حتي أري منه لهواته( اللهوات: اللحم المتصل بسقف الحلق), وإنما كان يبتسم, ذلك أن ثمة نوعا آخر من الضحك يتنزه عنه المقام النبوي, إنه ذلك الضحك الذي تنتفخ فيه الأشداق علي مصاريعها, وتمتزج فيه السخرية بالصخب والقهقهة, فلا يكون مطلقا تعبيرا عن الرحمة, بل تعبير عن التلهي والغفلة, وإغفال لعظائم الأمور..

ومثل هذا النوع المبتذل من الضحك يرتفع عنه قدر النبوة, كما يرتفع عنه قدر النبي الذي يحمل عبء هداية الكون كله, ويحزن لما في الكون من ضلال وشر, ويضيق صدره بما فيه من قبح وكفر...نعم فهو القائل لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا, وهو القائل صلي الله عليه وسلم لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.