هو الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله ولو كره المشركون‏]‏

هذا النص القرآني الكريم الذي جاء في الآية رقم(33) من سورة التوبة, تكرر في الآية التاسعة من سورة الصف, وجاء في سورة الفتح بالنص التالي:, هو الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله وكفي بالله شهيدا]( الفتح:28).

وجاءت هذه الخاتمة(... وكفي بالله شهيدا) تأكيدا علي لحتمية تحقق ما جاء في هذا النص لأن الله ــ تعالي جعل من ذاته العلية شاهدا علي ذلك, وكفي به شاهدا, وهو رب العالمين.

ومن معاني هذا النص الكريم أنه انطلاقا من وحدانية الخالق العظيم فإن هدايته للبشرية بقيت واحدة عبر التاريخ. وأن هذه الهداية علمها ربنا- تبارك وتعالي- لأبينا آدم لحظة خلقه, وغرسها الله تعالي- في الجبلة الإنسانية, وأنزلها علي سلسلة طويلة من أنبيائه ورسله. ولكن الشيطان كان دوما للإنسان بالمرصاد, في محاولات لإضلاله, وإخراجه عن هداية ربه, وإفشال رسالته في هذه الحياة الدنيا. ونتيجة لهذا الصراع ضاعت كل الرسالات السماوية السابقة علي مقدم البعثة النبوبة الخاتمة, فانقطعت الأرض عن أنوار الهداية الربانية, وانصرف الناس عن الدين الحق حتي عبدت الأحجار, والأشجار, والحيوانات, والنيران, والنجوم والكواكب, كما عبد الإنسان غيره من بني آدم, أو عبد ذاته. ونتيجة لذلك تعددت المعتقدات الموضوعة, وتنوعت فيها الفرق والطوائف, وكثرت الحروب والمظالم باسم الدين, والدين منها براء...! وفي العقد الأول من القرن الميلادي السابع من الله- سبحانه وتعالي- علي البشرية ببعثة الرسول الخاتم الذي ليس من بعده نبي ولا رسول, وأرسل معه خاتمة الرسالات السماوية كلها, وتعهد بحفظ هذه الرسالة الخاتمة في نفس لغة وحيها( اللغة العربية) فحفظت علي مدي الأربعة عشر قرنا الماضية وحتي اليوم, وتعهد ربنا- تبارك وتعالي- بهذا الحفظ تعهدا مطلقا حتي تبقي هذه الرسالة السماوية الخاتمة مصدر الهداية الربانية للخلق أجمعين إلي يوم الدين.

لذلك جاءت هذه الآيات( التوبة:33; الفتح:28; والصف:9) مؤكدة أن الله ــ تعالي هو الذي أرسل عبده ورسوله محمدا بن عبد الله( ص) بالهداية الربانية التامة, ليصحح المفاهيم المغلوطة في المعتقدات المبتدعة التي انتشرت بين أهل الأرض انتشار النار في الهشيم, وبهذا التصحيح يعلو الإسلام ويسود فوق جميع المعتقدات الباطلة. وقد تحقق وعد الله ــ تعالي لخاتم أنبيائه ورسله ــ صلي الله عليه وسلم ــ الذي جاء إلي هذه الدنيا وما فيها إلا آحاد من الناس الذين يعرفون ربهم, ويعبدونه بما أمر, وكانوا يعرفون باسم الأحناف, ثم غادر- صلي الله عليه وسلم- دنيانا وقد عم الإسلام شبه الجزيرة العربية بالكامل. ولم يمض سوي أقل من قرن واحد حتي امتد الإسلام شرقا إلي بلاد الصين, وغربا إلي بلاد الأندلس. واستمر المد الإسلامي حتي بلغ عدد المسلمين في سنة2010 م أكثر من(1.600) مليون نسمة, مما يمثل نحو ربع مجموع سكان الأرض المقدر في تلك السنة بنحو(6.9) مليار نسمة. وينتشر المسلمون في(48) دولة ذات أغلبية مسلمة, بالإضافة إلي أقليات في كل دول العالم. وهذه الأقليات تقدر بمئات الملايين كما هو الحال في كل من الهند والصين, وبعض الجمهوريات الروسية.

وشهادة الله- تعالي- للإسلام الذي بعث به جميع أنبيائه ورسله, والذي كمل وختم في بعثة سيدنا محمد- صلي الله عليه وسلم- بأنه هو( الهدي ودين الحق) هو القرار الإلهي الذي لا يعلوه قرار, والشهادة الإلهية التي ليس من بعدها شهادة. وقد تحققت إرادة الله- تعالي- فظهر هذا الدين علي الدين كله, وأصبح دين الله الصالح إلي قيام الساعة. وتعترف كل المنظمات الاستخبارية بأن الإسلام هو أسرع الأديان انتشارا في عالم اليوم, علي الرغم من محاولات التشويه التي يتعرض لها هذا الدين الحنيف في كل وسائل الإعلام, وعلي الرغم من الحروب غير المبررة التي تشن علي مختلف دول وتجمعات المسلمين طوال القرنين الماضيين وإلي اليوم.

وبالفعل فإن الإسلام قد ساد وجه الأرض لاثني عشر قرنا أو يزيد, وأقام أعظم وأكمل وأطول حضارة في ناريخ البشرية. ولكن سرعان ما تحالف شياطين الأرض علي دين الله فكانت الحروب الصليبية من بدايات القرن الحادي عشر الميلادي وحتي اليوم, ثم حملات التتار في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي, ثم الحملات الأوروبية علي مختلف بلاد المسلمين منذ أواخر القرن الثامن عشر الميلادي حتي تم إخراج المسلمين من الأندلس في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي, وتم إسقاط دولة الخلافة العثمانية في سنة1924 م.

وكان الاحتلال الغربي لغالبية الدول العربية والمسلمة خلال القرنين الماضيين سببا في تخلف تلك الدول. وكان الهم الأول لهذا الاحتلال البغيض هو إقصاء الإسلام عن مقامات اتخاذ القرار بالكامل, والعمل علي تغريب المسلمين عن دينهم. وكان هذا الهدف الخبيث يأتي عند المحتل الغريب في المقام الأول, قبل نهب ثروات البلاد التي احتلوها, وإن كانوا هم في الأصل عبدة مال.

وكان من وسائل هؤلاء الشياطين في تحقيق أهدافهم تقديم البدائل في هيئة عدد من الرايات الغريبة من مثل الليبرالية, العلمانية, الرأسمالية, الديموقراطية, الاشتراكية, الشيوعية, اليسار, اليمين, الماسونية, بالإضافة إلي البعث العربي الإشتراكي, وإثارة العديد من القوميات والمذهبيات والعصبيات المحلية.

وقد انساق بعض أبناء أمتنا وراء هذا المخطط الشيطاني, وانتظموا تحت أعداد من هذه الرايات المستوردة فضلوا وأضلوا, وانسحب ضلالهم علي الأمة في تراجع خطير عن مسايرة حركة التقدم العلمي والتقني في العالم مما أدي إلي فقر الأمة وتخلفها عن دورها الريادي علي سطح الأرض. وقد استعان أعداء الأمة بأعداد من التسلقيين الطامعين الجهلة بالدين فمكنوهم من أمر الحكم في غالبية الدول العربية, والمسلمة, وظنوا بذلك أنهم قد قضوا علي دين الله. ولكن فوجئ العالم كله بربيع الثورات العربية المجيدة التي ردت هذه الأمة إلي أصالتها, فاختارت بإرادتها الحرة الإسلام من المغرب إلي سوريا الجريحة, وأثبتت للعالم كله أن راية الإسلام لم تنتكس في أي شبر من الأرض دخله دين الله علي الرغم من تجبر كل صور الحكم القهري المتسلط التي دعمها الغرب في ديار المسلمين علي مدي القرنين الماضيين, بينما يتظاهر بحماية الديموقراطيات وحقوق اللإنسان.

فزع الغرب وأذنابه المتغربون من هذه الصحوة الإسلامية العملاقة فبدأوا بشراء الذمم بالمال والوعود المعسولة من أجل مقاومة هذه الصحوة الإسلامية عند شعوب المنطقة التي أعادت الإسلام إلي مقامات اتخاذ القرار بانتخابات حرة نزيهة, شهد بنزاهتها الأعدء قبل الأصدقاء.

وعلي كل من الغرب وأذنابه من المتغربين أن يدركوا حقيقة أن الإسلام العظيم إذا دخل قلبا من قلوب العباد فإنه لا يفارقه أبدا, وأنه ماعرض الإسلام علي عاقل باللغة التي يفهمها ورفضه أبدا, وأن الثورات العربية المجيدة التي أزالت دمي الغرب من فوق كراسي الحكم بدماء الشهداء لن تسمح بعد اليوم بحاكم أن يحكمها بغير دين الله. وعليهم أن يدركوا أن راية الإسلام التي رفعها صحابة رسول الله- صلي الله عليه وسلم- فوق الأراضي العربية والمسلمة لم ولن تنكس أبدا, وأنها كانت وبقيت, وسوف تظل مرفوعة في سماء الأرض إلي أن يشاء الله,,... والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون]